“فرقة القنبوس”… لحنٌ عائلي يُحيي تراث عدن وصنعاء

 يُعد الفنان والملحن نجيب سعيد ثابت، وكيل وزارة الثقافة لقطاع الفنون الشعبية والمسرح، أحد أبرز الأسماء في المشهد الفني اليمني المعاصر. هو سليل عائلة “ثابت” الفنية العريقة في عدن، وصاحب مسيرة حافلة بالعطاء امتدت لعقود، كرسها لخدمة التراث الموسيقي اليمني والغناء المعاصر وفي هذا اللقاء، نستضيفه ليروي لنا تجربته الفريدة في إحياء آلة “القنبوس” (الطربي)، وتأسيس فرقة شعبية للغناء حملت اسم آلة القنبوس 

ج: “نشأتُ في بيئةٍ الفن جزءٌ من تكوينها. فجدي الأكبر، الشيخ صالح حسن،1845م-1960م كان معلما وموسيقياً وله مدرسته الخاصة بتدريس للغة الإنجليزية والطباعة على الطابعة الإنجليزية وكانت هذه المدرسة في منزله الكبير بالشيخ عثمان التي تخرج منها الكثيرين من رجالات ومثقفي المجتمع بعدن ؛ وكان يهوى الغناء وله عوده الخاص القنبوس القديم ( الطربي ) وقد ورث هذا الشغف -الفن والغناء – أبناؤه وأحفاده. وتعلموا منه اللغة الإنجليزية قراءة وكتابة بحيث ؛ وكان الجد ثابت عازفا على آلة العود ويغني الاغاني اليمنية الشهيرة مثل الصنعاني واليافعي ومن اغاني تراث عدن ولحج وكان هذا محصور على مستوى العائلة والاصدقاء المقربين فقط وكان ثابت احد الموظفين في بلدية الشيخ عثمان ويجيد الإنجليزية وبشكل متقن .ثم برز بعد ذلك العم الفنان الكبير إسكندر ثابت 1919م – 1996م هاويا للغناء والطرب الذي سافر بعد ذلك إلى المحروسة مصر عام 1938م وتعلم فيها وحصل على شهادتي البكلاريوس للغة الانجليزية وعلم الموسيقى؛ ثم مدرسا في مدرسة حلوان للغة الإنجليزية وعاد إلى عدن عام 1962م
 وقبله والدي سعيد ثابت الذي كان عازفا ماهرا لآلة العود ومغنيا لاغاني التراث اليمني واغاني عبدالوهاب وسيد درويش القديمة ولم يكن محترفا بل كان يمارس الفن كما والده – ثابت – ووالدي هو من علّم عمي اسكندر ثابت أصول العزف على آلة العود.
 

 لقد كانت الموسيقى لغة نتوارثها، وهذا الإرث هو الأساس الذي بنيت عليه كل مسيرتي.”
س: آلة “القنبوس” تحتل مكانة خاصة في تجربتكم، ما هي قصتها وأهميتها في التراث اليمني؟
ج: “آلة القنبوس، أو كما تُعرف في صنعاء بـ “الطربي”، هي روح الأغنية اليمنية وجوهرها القديم. ومن روادها المشهورين بصنعاء من عزف على آلة القنبوس الشيخ الكبير الاخفش وعائلة الاخفش عائلة توارثت الغناء جيل بعد جيل بصنعاء .
 وفي عدن كان الفنان الشيخ أبو بكر باشراحيل يعزف ويغني على آلة- القنبوس- الطربي – من عشرينيات القرن العشرين ثم سجل اغاني عدة في ااوائل الثلاثينات بالأسطوانات الحجرية عشرات الاغاني الصنعانية واليافعية والموروث العدني القديم من القرن الماضي .واتذكر إن الموسيقار العظيم جميل غانم، – الذي كان لي شرف تتلمذي على يديه ابتداءا من العام 1973م حين التحقت بمعهد الفنون الجميلة عازفا لآلة العود مع الفرقة الوطنية للفنون الشعبية التابعة لمعهد الفنون ثم التحقت بدراسة دبلوم موسيقي 3 سنوات وتخرجت بامتياز – . والاستاذ جميل غانم هو اول من اعاد إحياء آلة القنبوس في اوائل الستينات ضمن فرقة شعبية اسسها وكان يعزف على آلة القنبوس في هذه الفرقة الشعبية ومدربها . 
وكانت الفرقة مكونة من عدة اعضاء يعزفوا على آلات شعبية متنوعة مثل: السمسمية والمزمار والشبيبة — بضم الشين — الشبيهة بآلة الناي وآلات اخرى ايقاعية مثل : الهاجر والمراويس والطبلة والمرفع وهي من الإيقاعات الشعبية القديمة اليمنية ، مؤكداً على أن آلة القنبوس جزء لا يتجزأ من هويتنا اليمنية . 

شخصياً، عشقت هذه الآلة القديمة وعزفت عليها في محافل دولية، كان أبرزها مهرجان الشباب والطلبة العالمي الحادي عشر في كوبا عام 1978، حيث قدمناها للعالم كأيقونة يمنية أصيلة.” وحصلت على دبلوماه بهذا الشان العظيم العزف على آلة القنبوس الانفرادي على المسرح .واتذكر قبل الذهاب لمهرجان كوبا طلب الاستاذ جميل غانم الذي كان رئيسا للوفد الفني إلى كوبا انه سحب القنبوس الخاص بالفنان ابوبكر باشراحيل الذي كان محفوظا في المتحف العسكري بكريتر بعد وفاته صاحبه الشيخ باشراحيل باوامر عليا من الدولة على ان يعاد هذا العود “”القنبوس”” بعد اداء مهمة المهرجان إلى المتحف العسكري بعدن .وكم فرحت كثير انني اول من عزف على آلة القنبوس الخاص بالفنان باشراحيل وهذا حببني كثيرا لهذه الآلة .
س: من هذا الشغف، ولدت “فرقة القنبوس”. ما الذي يميز هذه الفرقة، وأين انطلقت تجربتها؟
ج: “فرقة القنبوس هي تتويج لهذا الإرث. أسستها في فترة اوائل الثمانينات 1984م وكنت قائد الفرقة مع مجموعة من الفنانين والفنانات من غير العائلة وفي التسعينيات حصرتها على مستوى العائله باصوات نسائية لثلاث من بناتي وبعض المقربين ومن اهلي؛ وشاركت هذه الفرقة القنبوس في فعاليات ومهرجانات كثيرة داخل البلد وشاركت في عدة مهرجانات خارجية : في سوريا وبلغاريا والجزائر ومسقط وعمان ودول الخليج العربي والمغرب ومصر وكوبا ودول اخرى  بهدف الحفاظ على هذا اللون الفني للمنتخب التراثي والشعبي ونقله للجيل الجديد . وكانت تجربتنا بمثابة ورشة عمل فنية منزلية، انطلقنا فيها من عدن ثم واصلنا نشاطنا بعد انتقالي للعمل في صنعاء مطلع الألفية الثانية.  والقنبوس لم تكن مجرد مشروع فني فقط بل كانت رسالة تؤكد أن الفن رسالة يبدأ عشقه من الأسرة ثم ينطلق منها الى الجمهور .
س: إلى جانب تأسيس الفرقة، مسيرتكم المهنية حافلة بالمناصب والإنجازات لخدمة الثقافة اليمنية. هل يمكن أن تطلعنا على أبرز محطاتها؟
بدايني كانت من الاسرة كنت استمع لعزف وغناء والدي سعيد ثابت ونحن البيت كثيرا وكنت حينها صغيرا 
ثم في المدرسة الابتدائية كنت اغني اغاني عميداسكندر ثابت يابدري ياعديني واغاني اخرى 
والحقت بفرقة المدرسة في المرحلة المتوسطة وكنت اغني مع او فرقة غنيت فيها وهي فرقة المواهب ثم الانوار وكنت اغني في حفلات المدرسية اغاني فريد الاطرش .
ثم معهد الفنون الجميلة ودخلت الإذاعة والتلفزيون بعدن وكان اول تسجيل لي اغنيتين من الحان جميل غانم هما : 1.خصامك زاد /كلمات احمد الجابري2.كلام احلى من السكر / كلمات عبدالرحمن ثابت وكان اول تسجيل دخولي اذاعة عدنعام 1973م
 “كرّست حياتي للعمل المؤسسي لخدمة الفن. بدأت مسيرتي كعازف عود في الفرقة الوطنية للموسيقى والفنون الشعبية الذي اسسها الموسيقار وعازف العود العالمي جميل غانم عام 1973 حتى 1981
 ثم انتقلت رئيسا لقسم الموسيقى في جامعة عدن عام 1982م 1987م اسست فرق فنية للغناء والفنون الشعبية في كليات عدن الخمس 
أسست الفرقة المركزية لجامعة عدن عام 1982م بعد اختياري لافضل العناصر المبدعة من كافة كليات عدن . ثم مديراً لإدارة الموسيقى والفرقة الموسيقية بعدن، وحينها كنت رئيساً لاتحاد الفنانين اليمنيين محافظة عدن 1987- 1993 ؛  
ثم.أنتقلت إلى صنعاء بطلب من وزير الثقافة طيب الذكر د. عبد الوهاب الروحاني عام 2002 وتوليت منصب مدير عام الموسيقى والفنون الشعبية بوزارة الثقافة 2002- 2012 .,ثم وكيلاً مساعداً لقطاع الفنون الشعبية والمسرح بالوزارة – 2012-2016 . ثم عدت إلى عدن بوظيفة وكيل لقطاع الفنون الشعبية والمسرح حين اصبحت عدن العاصمة المؤقتة ومازلت بعملي بهذه الوظيفة في العاصمة المؤقتة عدن . 
كل هذه المناصب كانت وسيلة لغاية أسمى، وهي الحفاظ على الفنون اليمنية ودعم الفنانين وكنت مستمرا في عملية الغناء والتلحين وغني من الحاني العشرات من الشباب والشابات
وغنى من الحاني فنانين معروفين 
وغنيت لكبار الشعراء اليمنيين والعرب 
س: أخيراً، ما هي رسالتكم للأجيال الشابة من الفنانين للحفاظ على هذا الموروث الغني؟
ج: “رسالتي هي أن يتمسكوا بهويتهم الفنية ويمارسونها بابسط الوسائل المتاحة وتقديم وإبراز تراثنا اليمني الغنائي وهو بحرٌ عميق من الألحان والقصص والألوان الغنائية المتفردة. وأدعوهم للبحث والدراسة والابتكار انطلاقاً من هذا التراث، لا تقليداً له. 
آلة القنبوس وغيرها من كنوزنا الفنية ليست مجرد أدوات من الماضي، بل هي جسرٌ يربطنا بالمستقبل والحفاظ عليها وتطويرها هو مسؤولية كل فنان يمني لتبقى راية الإبداع اليمني خفاقة.”

أضف تعليق

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑