
بين أوتار الماضي وأصالة النغم، استوقفني حضور آلة القنبوس – ذلك العود اليمني العتيق – في قلب المهرجان الرابع للأغنية عام 1984م. القنبوس ليس مجرد آلة، بل هو هوية بصرية وصوتية تختزل تاريخ الفن اليمني. ومع هذه الرمزية الكبيرة، يبقى التساؤل ملحاً: لماذا غاب هذا الصوت عن فرقنا الموسيقية وأفراحنا اليوم؟ نفتح الباب لذوي المعرفة والمهتمين لمشاركتنا قراءاتهم حول أسباب هذا التراجع، كما نرجو ممن يتعرف على الفرقة الموسيقية الظاهرة في الصورة تزويدنا باسمها.
📸 عدسة الراحل: ناجي نعمان
تُعد هذه الصورة التي التقطتها عدسة الفنان الراحل ناجي نعمان وثيقة بصرية مذهلة، فهي لا توثّق مجرد عرض موسيقي، بل لحظة تاريخية تجسد نضج المشهد الثقافي في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية خلال الثمانينات، حيث تظهر الفرقة وهي تؤدي عرضاً في “المهرجان الرابع للأغنية” (نوفمبر – ديسمبر 1984م)، تزامناً مع الذكرى السابعة عشرة للاستقلال الوطني.
من “الطربي” العائلي إلى منصات المهرجانات
يرتبط القنبوس في عدن بتاريخ عائلات فنية عريقة كرسّت جهودها للحفاظ على هذا الإرث. وفي مقدمة هذه العائلات تبرز عائلة “ثابت”؛ حيث يشير الفنان والملحن نجيب سعيد ثابت (وكيل وزارة الثقافة لقطاع الفنون الشعبية والمسرح) في لقاء سابق، إلى أن جده الأكبر، الشيخ صالح حسن (1845-1960)، كان يقتني عوده الخاص “القنبوس” (المعروف بالطربي) في منزله بالشيخ عثمان، ليتوارث الأبناء والأحفاد هذا الشغف جيلًا بعد جيل.
في الستينات، انتقل هذا الاهتمام من الإطار العائلي إلى المشهد المؤسسي بفضل الموسيقار جميل غانم، الذي أعاد إحياء الآلة عبر فرقة شعبية متخصصة. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل حظيت الآلة برعاية رسمية رفيعة، تجلت في استخراج “قنبوس” الفنان الراحل أبو بكر باشراحيل من المتحف العسكري بكريتر بأوامر عليا، ليعزف عليه الفنان نجيب ثابت في مهرجان الشباب والطلبة العالمي بكوبا عام 1978، لتمثيل الهوية اليمنية عالمياً.
لغز التراجع: لماذا غادر القنبوس منصات العزف؟
إن ظهور القنبوس عام 1984 في قلب أوركسترا ضخمة تمزج بين الآلات الشرقية والغربية (كالكمان، والتشيلو، والكونترباص) يطرح علامات استفهام كثيرة حول واقع الآلة اليوم:
سيطرة العود العربي المعاصر: يميل الموسيقيون الجدد إلى العود الشرقي الحديث لتعدد استخداماته ومساحته الصوتية الأوسع (11 أو 12 وتراً) مقارنة بالقنبوس ذي الأوتار الأربعة.
انحسار الصناعة اليدوية: يتطلب القنبوس مهارة يدوية دقيقة في الحفر والنحت على قطعة خشبية واحدة، ومع رحيل الأجيال القديمة من الصنّاع، أصبحت الآلة نادرة.
غياب الدعم المؤسسي والتعليمي: أدى تراجع المعاهد الموسيقية المتخصصة واجتياح الآلات الإلكترونية (الأورج) للأعراس والمهرجانات إلى تهميش الآلات الوترية الخشبية التقليدية.
ذاكرة وطن.. ومستقبل فن
امتداداً لهذا الإرث، شهدت فترة الثمانينات تأسيس “فرقة القنبوس” بقيادة نجيب ثابت، والتي تحولت في التسعينات إلى فرقة عائلية ضمت بناته لتقديم الموروث اليمني في المحافل الدولية (مثل سوريا، وبلغاريا، والجزائر، ومصر)، تأكيداً على أن الفن رسالة تبدأ من الأسرة وتصل إلى العالم.
ملاحظة توثيقية: الفرقة الظاهرة في الصورة هي على الأرجح فرقة الإنشاد الوطنية التابعة لوزارة الثقافة في عدن، وهي الفرقة التي تميزت بنقل التراث اللحجي، والعدني، والصنعاني إلى قالب أوركسترالي راقٍ.
إن إعادة قراءة هذه الصورة اليوم ليست مجرد حنين عابر، بل هي دعوة مفتوحة للأجيال الشابة من الفنانين والباحثين لإعادة الاعتبار لهذه الآلة الأصيلة، ليبقى “صوت اليمن الغائب” حاضراً في مستقبلنا كما كان شامخاً في ماضينا.
شاركونا آراءكم وتفسيراتكم حول أسباب تراجع القنبوس في التعليقات.



أضف تعليق